عندما لا تنجح الأدوية: الصرع المقاوم للأدوية
يستجيب معظم المصابين بالصرع للأدوية استجابة جيدة. لكن لدى فئة ليست صغيرة تستمر النوبات رغم محاولات جادة بالأدوية المناسبة وتناولها بالطريقة الصحيحة. وللأطباء اسم لهذه الحالة هو الصرع المقاوم للأدوية، والأهم أن لديهم خطة واضحة لما ينبغي أن يحدث بعد ذلك.
ما معنى الصرع المقاوم للأدوية
يوصف الصرع بأنه مقاوم للأدوية حين تستمر النوبات رغم تجربة دواءين مضادين للنوبات كانا مناسبين لنوع النوبة، وتم تناولهما بشكل صحيح بجرعة كافية، وتحملهما الجسم على نحو معقول. هذا هو التعريف الذي يستخدمه المختصون بالصرع في مختلف أنحاء العالم.
كلمتان في هذا التعريف تحملان كل الثقل: مناسب ومتحمل. الدواء الذي أوقف بعد ثلاثة أيام بسبب طفح جلدي لم يجرب فعليا. والدواء الذي اختير لنوع نوبة مختلف قد يزيد النوبات بدل أن يقللها. وأي منهما لا يعد تجربة عادلة. لا يوجد هذا التعريف لتصنيف الناس، بل ليحدد اللحظة التي ينبغي فيها تغيير الخطة بدل تكرارها.
ما مدى شيوعه
نحو شخص واحد من كل 3 أشخاص مصابين بالصرع، أي قرابة 30 بالمئة، تستمر لديه النوبات رغم الدواء. ويقف هذا الرقم إلى جوار رقم أكثر تفاؤلا: نحو شخصين من كل 3 أشخاص يتحررون من النوبات بعد الوصول إلى الدواء المناسب. كلا الرقمين صحيح، وليس من قبيل الصدفة على أي جانب يقع الشخص.
تختلف الاحتمالات كثيرا بحسب نوع الصرع
يغير نوع الصرع أو المتلازمة الكامنة هذه الاحتمالات بدرجة ملحوظة. والأنماط الواردة أدناه تقديرات عامة واسعة تختلف بين الدراسات وبين الأفراد. وهي الصورة العامة التي يأخذها طبيب الأعصاب في الحسبان عند التفكير في حالتك، وليست احتمالات شخصية لأي إنسان بعينه.
الصرعات المعممة ذات الأصل الجيني، مثل صرع الغياب في الطفولة والصرع الرمعي العضلي اليفعي، تستجيب عادة استجابة جيدة للأدوية المناسبة لها. وتحدث المقاومة الدوائية فيها، لكنها قليلة الشيوع نسبيا.
أما الصرع البؤري ذو السبب البنيوي فقصة أخرى. ففي صرع الفص الصدغي الإنسي المصحوب بتصلب الحصين، أي تندب بنية الذاكرة العميقة داخل الفص الصدغي، وفي تشوهات نمو القشرة الدماغية حيث يتكون جزء من الدماغ بشكل مختلف قبل الولادة، تكون المقاومة الدوائية شائعة، بل تصيب الغالبية في بعض المجموعات. وهذه أيضا الحالات التي تكون الجراحة فيها خيارا مطروحا على الأرجح، ولهذا فإن التعرف عليها مهم للغاية.
وفي اعتلالات الدماغ النمائية والصرعية الشديدة التي تبدأ في مرحلة الرضاعة أو الطفولة المبكرة، تكون المقاومة الدوائية هي القاعدة لا الاستثناء. وتستهدف الرعاية في هذه المتلازمات عادة نوبات أقل عددا وأخف شدة، ونوما أفضل ونموا أفضل، أكثر من استهدافها التحرر الكامل من النوبات.
ويقع الصرع الذي يعقب السكتة الدماغية أو ورم الدماغ أو التهاب الدماغ أو إصابة الرأس في منزلة وسطى. ويعتمد الكثير على حجم الضرر الكامن وموضعه وطبيعته.
أحيانا لا تكون مقاومة حقيقية
يتبين عند المراجعة المتأنية أن جزءا كبيرا مما يبدو مقاومة للأدوية هو في الحقيقة شيء آخر. فقد يكون نوع النوبة أو المتلازمة قد صنف على نحو مختلف في البداية، فجاء الدواء غير مناسب. وبعض النوبات الظاهرية ليست صرعية الأصل ولا تستجيب للأدوية المضادة للنوبات. وتفوت الجرعات في الأسابيع المزدحمة أو الصعبة. ونقص النوم والكحول قد يضعفان بهدوء دواء كان سينجح لولا ذلك.
لا شيء من هذا خطأ أحد، والطبيب الجيد يتوقع حدوثه. والسجلات الدقيقة لنوباتك وجرعاتك وما كان يجري حولها هي بالضبط ما يمكن المختص من التمييز بين المقاومة الحقيقية وهذه الحالات الشبيهة بها.
النتائج بصراحة
بعد أن يفشل دواءان مناسبان فشلا حقيقيا، تصبح فرصة أن يحقق دواء ثالث أو رابع وحده تحررا كاملا من النوبات فرصة منخفضة، أي نسبة صغيرة. وهذه الحقيقة وحدها هي سبب توصية الإرشادات الطبية بالإحالة إلى تقييم متخصص عند هذه النقطة، بدل الاستمرار في تبديل الأدوية سنوات طويلة.
لكن المقاوم للأدوية لا يعني غير القابل للعلاج. فالجراحة قد تحرر من النوبات أشخاصا اختيروا بعناية. وأجهزة التحفيز العصبي والعلاجات الغذائية تقلل النوبات لدى كثيرين. والصرع ليس حالة ثابتة: فعند بعض الناس تخضع النوبات للسيطرة لاحقا، بتوليفة مختلفة أو بمرور الوقت ببساطة.
ما الخطوة التالية
الخطوة التالية هي الإحالة إلى مركز متخصص بالصرع. وهناك يبدأ العمل عادة بمراجعة التشخيص نفسه بدل التسليم به. فمراقبة الفيديو مع تخطيط الدماغ الكهربائي، وهي إقامة عدة أيام مع تسجيل متواصل لموجات الدماغ وتصوير بالفيديو، تلتقط نوباتك الفعلية وتبين ماهيتها وموضع بدايتها. ويبحث التصوير بالرنين المغناطيسي عالي الجودة عن سبب بنيوي، وقد تضاف صور أخرى واختبارات للذاكرة والانتباه.
عندها فقط تتضح خيارات العلاج: جراحة لاستئصال المنطقة الصغيرة التي تبدأ منها النوبات أو فصلها، أو الاستئصال بالليزر عبر فتحة صغيرة جدا، أو أجهزة التحفيز العصبي، أو العلاج الغذائي مثل الأنظمة الكيتونية تحت إشراف طبي، أو المشاركة في التجارب السريرية لعلاجات أحدث.
لماذا يستحق الأمر التحرك
للنوبات غير المسيطر عليها كلفة تتجاوز النوبات نفسها: إصابات من السقوط والحروق والماء، وآثار على الذاكرة والمزاج والثقة بالنفس والقيادة والعمل، وارتفاع خطر الموت المفاجئ غير المتوقع في الصرع، المعروف اختصارا بسودب، حين تبقى النوبات التوترية الرمعية بلا سيطرة. وهذا الخطر نادر، والغاية هنا ليست إثارة الخوف. الغاية أن السيطرة الأفضل على النوبات تخفض هذه المخاطر، ولذلك يستحق الأمر السعي بدل التسليم باستمرار النوبات.
متى تتحدث إلى طبيبك
إذا لم يسيطر دواءان مضادان للنوبات على نوباتك، اسأل طبيبك مباشرة عن الإحالة إلى مركز متخصص بالصرع، واسأل عما يتضمنه هذا التقييم. واصطحب معك سجلات نوباتك. ولا توقف أي دواء أو تغيره من تلقاء نفسك أبدا. وتذكر قاعدة الطوارئ: النوبة التي تستمر أكثر من 5 دقائق، أو النوبات المتكررة دون تعاف بينها، تحتاج إلى مساعدة طبية طارئة فورا.